النووي

41

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

فَرْعٌ أَقَامَ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ شُهُودًا ، ثُمَّ قَالَ : كَذَبَ شُهُودِي ، أَوْ شَهِدُوا مُبْطِلِينَ ، فَلَا شَكَّ فِي سُقُوطِ بَيِّنَتِهِ ، وَامْتِنَاعِ الْحُكْمِ ، وَفِي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يَبْطُلُ ، كَمَا لَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً أُخْرَى ، وَأَصَحُّهَمَا : لَا ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَالشُّهُودِ مُبْطِلِينَ لِشَهَادَتِهِمْ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ ، وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) وَبُنِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شُهُودًا ، فَزَعَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِأَنَّ شُهُودَهُ كَذَبَةٌ ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا ، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ هَلْ يُمْكِنُ ، وَيَحْكُمُ بِشَاهِدِهِ وَيَمِينِهِ ؟ إِنْ قُلْنَا : هَذَا الْإِقْرَارُ لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الدَّعْوَى ، فَلَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ الطَّعْنُ فِي الشُّهُودِ ، وَإِخْرَاجُ شَهَادَتِهِمْ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا ، وَجَرْحُ الشُّهُودِ ، وَالطَّعْنُ فِيهِمْ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِمَالٍ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُبْطِلُهَا ، مُكِّنَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ إِسْقَاطُ الدَّعْوَى بِالْمَالِ ، فَهُوَ كَادِّعَاءِ الْإِبْرَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ . فُرُوعٌ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ : أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فِي حَادِثَةٍ ، وَكَانَا اسْتَبَاعَا الدَّارَ مِنْهُ ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مِلْكُهُ ، وَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّ شَاهِدَيِ الْمُدَّعِي قَالَا : لَا شَهَادَةَ لَنَا فِي ذَلِكَ سَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ : مَتَى قَالَ ذَلِكَ شَاهِدَا الْمُدَّعِي ؟ فَإِنْ قَالَا : قَالَاهُ أَمْسِ ، أَوْ مِنْ شَهْرٍ ، لَمْ تَنْدَفِعْ شَهَادَتُهُمَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ ، ثُمَّ يَصِيرَانِ . وَإِنْ قَالَا : قَالَا حِينَ تَصَدَّيَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ ،